محمد متولي الشعراوي
5918
تفسير الشعراوى
نقول : إن هذا السؤال لا يطرح إلا وطارحه يعلم أن له إجابة واحدة ، فلن يجد المسؤول إجابة إلا أن يقول : إن الذي يفعل ذلك هو اللّه سبحانه ولا يمكن أن يقولوا : إن الصنم يفعل ذلك ؛ لأنهم يعلمون أنهم هم الذين صنعوا الأصنام ، ولا قدرة لها على مثل هذا الفعل . فالإجابة معلومة سلفا : إن اللّه سبحانه وتعالى وحده هو القادر على ذلك ، وهذا يوضح أن الباطل لجلج والحق أبلج « 1 » ، وللحق صولة « 2 » ؛ فأنت ساعة تنطق بكلمة الحق في أمر ما ، تجدها قد فعلت فعلها فيمن هو على الباطل ، ويأخذ وقتا طويلا إلى أن يجد كلاما يرد به ما قلته ، بل يحدث له انبهار واندهاش ، وتنقطع حجته « 3 » . ولذلك لم يقل الحق سبحانه هنا مثلما قال من قبل : فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ . . ( 31 ) [ يونس ] بل قال : قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ . . ( 34 ) [ يونس ] وجاء بها الحق سبحانه هكذا ؛ لأنهم حينما سئلوا هذا السؤال بهرهم الحق وغلب ألسنتهم وخواطرهم ؛ فلم يستطيعوا قول أي شئ . ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - نجد وكيل النيابة يضيّق الخناق على المتهم بأسئلة متعددة إلى أن يوجه له سؤالا ينبهر المتهم من فرط دقته وليس له إلا إجابة واحدة تتأبى طباعه ألا يجيب عنه ، فيجيب المتهم معترفا .
--> ( 1 ) اللجلجة : اختلاط الأصوات . قال أبو زيد : يقال : « الحق أبلج ، والباطل لجلج » ، والأبلج : المضئ المستقيم . أما اللجلج فهو المختلط المعوجّ والمتردد غير المستقر . [ اللسان : مادة ( لجج ) - بتصرف ] . ( 2 ) الصولة : الوثبة والقوة على إزهاق الباطل . ( 3 ) وذلك مثلما حدث من إبراهيم عليه السّلام مع النمرود ، وقد قصّه اللّه عز وجل في قرآنه : قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ . . ( 258 ) [ البقرة ] ، فبهت ، أي : فوجىء بالحجة ومنطقها فتحيّر في جوابه ولم يجد ردّا .